الأربعاء، ٣ يناير ٢٠٠٧

دفاتر الأزمة 1

الدفتر الأول
الورقة الأولى
الحرب بإطلاق الأفكار وليست بإطلاق النار

عندما استسلمت جيوش ألمانيا النازية بلا قيد ولا شرط أمام الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بقيادة “دوايت أيزنهاور”، كانت القوى المسيطرة في أميركا تفكر فعلا في الحرب القادمة مع الاتحاد السوفياتي، رغم أنه كان شريكها الشرقي في النصر. وكان محسوسا وملموسا حتى من قبل نشوب الحرب، أن العداء لهتلر هو الذي جمع الأميركيين على الروس مضطرين أكثر من مختارين، فالرأي الأصلي عندهم قبل هتلر وبعده أن المستقبل صراع إلى النهاية بين الرأسمالية والشيوعية، أي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.

وفي اللحظة التي انتهت فيها الحرب العالمية الثانية فإن القوى المتنفذة في أميركا وقع اختيارها على قائد النصر ضد “هتلر” ليكون بنفسه قائد النصر ضد “ستالين”!

وكان ظاهرا بدون إعادة السؤال مرتين أن الحرب الجديدة ليست تكرارا للحرب السابقة، لأن السلاح الذي فصل في الحرب السابقة، وهو القنبلة الذرية، لم يعد قابلا للاستعمال في الحرب اللاحقة، لأن الولايات المتحدة خسرت احتكارها للأسلحة الذرية عندما لحقها الاتحاد السوفياتي إلى سرها بفاصل سنتين اثنتين.

وكان تأهيل “أيزنهاور” لقيادة الحرب الجديدة إعدادا يستحق النظر:

ومثلا فإنه عندما نشر “أيزنهاور” مذكراته عن سنوات الحرب كان العنوان الذي “اختاروه” لها هو: “حملة صليبية في أوروبا” <> (النازية في تلك الحالة)، لكن الإشارة إلى الحروب الصليبية الدينية الإيمانية كانت لها مقاصد ومعبأة بحمولات.

وفي مثال آخر فإنه عندما بدأ إعداد “أيزنهاور” للحياة المدنية، كان المنصب الذي “اختير” له هو منصب رئيس جامعة “كولومبيا”، وهكذا فإن الرجل الذي خلع سترته العسكرية بنهاية خدمته قائدا عاما لقوات الحلفاء، اكتسى بالرداء الجامعي يبدل هندامه ويرتبه للخدمة في البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأميركية (وزعيما للعالم الحر كما كان يقال تلك الأيام).

وحدث في ما بعد عندما أراد “أيزنهاور” أن يكتب مذكراته عن سنوات رئاسته للولايات المتحدة، أن العنوان الذي “اختاروه” لها كان “شن السلام” <>، لكن السلام لا “يُشن” وإنما يصنع بأسلوب آخر غير شن الحملات (صليبية أو غير صليبية).

لكن تلك كلها كانت إشارات محسوبة ومتعمدة، تومئ إلى تغيير رئيسي في الأسلحة تنتقل به الحرب من “إطلاق النار” إلى “إطلاق الأفكار”.

كان التقدير أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية حتمي، وأن هذا الصراع لا يمكن أن يدور بين الاثنين مباشرة في ميادين قتال، لأنه في تلك الميادين معرض في أي لحظة للتصاعد إلى المستوى النووي، وذلك فوق احتمال أي طرف حتى إذا سبق عدوه في حجم ما تكدس داخل ترساناته من رؤوس نووية، ذلك أن إمكانية الردع المتبادل بحاملات الرؤوس النووية من الصواريخ المتحركة (في أعماق البحر أو أعالي الفضاء) تلغي الفاصل بين النصر والهزيمة بدمار مروّع للطرفين، المهزوم فيه قتيل بالكامل والمنتصر ثلاثة أرباع قتيل، وكلا الاحتمالين مستحيل!

وإذن فهو صراع إلى النهاية بغير سلاح وبغير نار!

ثم إنه صراع مزدوج:

طرفان لكل منهما نظرية في ترتيب وإدارة شؤون المجتمعات: مواقعها، مواردها، ومستقبلها. ومكمن الخطر أن كل نظرية تطلب التفوق تجسد نفسها ذات الوقت في قوة عظمى، ومؤدى ذلك أن النظريتين في النهاية قوتان نوويتان على طريق صدام. وفي غيبة القدرة على فرض التفوق بالنار، فإن كل نظرية ليست لديها وسيلة غير أن تعرض ما لديها على الدنيا وعلى الناس باعتباره طريق الخلاص.

ومعنى ذلك أنها صور في الأحلام لها القدرة على صنع مثال في الواقع يجذب قلوب وعقول آخرين بعضهم ينتمي إلى العالم المتقدم (وهم يريدون إعادة ترميم حياتهم بعد إعصار الحرب)، وبعضهم الآخر ينتمي إلى العالم المتخلف الذي أيقظه إعصار الحرب، (وقد هرولوا إلى الساحة باحثين عن حلم وعن مثال).

ومعنى ذلك أيضا أن الصراع في شكله الجديد صراع نظريات (أفكار) لها القدرة على التحقيق (تجربة حية).

يصاحب ذلك إدراك عملي بأن احتكاك النظرية الرأسمالية والشيوعية و”المثال” المجتمعي المتجسد للاثنتين في دولة، لن يكون بينهما مباشرة وإنما “يجوز” أن يكون عند غيرهما وعلى أرضه.

يلي ذلك أنه إذا وصل الاحتكاك إلى الدرجة التي يتطاير فيها شرر وينشب حريق، فإن النار يجب أن تظل بعيدة عن الترسانات النووية أي هناك على أرض الآخرين!

وهكذا فهي بالدرجة الأولى حرب في قلوب وعقول هؤلاء الآخرين ثم إنها في الدرجة الثانية وإذا حكمت الظروف حريق على أرض هؤلاء الآخرين.

وكذلك انطلقت النظريتان القوتان إلى سباق يقطع الأنفاس وكانت تلك هي الحرب الباردة!، وقد توافقت بدايتها مع رئاسة “أيزنهاور” للولايات المتحدة الأميركية، وكانت إدارته هي التي وضعت استراتيجياتها وخططها وسياساتها.


ليست هناك تعليقات: