الأربعاء، ٣ يناير ٢٠٠٧

إذا مالت هانت

سيكون للعام الجديد معنى أفضل، لو أننا تملكنا شجاعة الاعتراف بأن الحقبة المصرية التي كانت «الريادة» عنواناً لها انتهت في العالم العربي. وسيصبح الاعتراف نقطة تحول، لو أنه استنفر طاقات الغيورين لكي تستعيد مصر عافيتها، لأن خبرة التاريخ علمتنا أن هذا البلد إذا ضعف أو انكفأ، فإن ذلك ينذر بكارثة تتجاوز حدوده لتحل بالأمة بأسرها.

ـ 1 ـ
في إحدى أمسيات المؤتمر الاستراتيجي العربي الذي عقد في دبي قبل اسابيع، شاهدنا عرضاً لفرقة "كاراكالا" اللبنانية، كان راقياً وبديعاً إلى حد دفع أحد الباحثين إلى التوجه إلي بالسؤال التالي: لماذا لم نعد نسمع عن فرق استعراضية بهذا المستوى في مصر، التي كانت رائدة في هذا المجال؟ ـ اعتذرت عن الإجابة، وقلت له إنني الشخص الغلط في هذا الموضوع. لكن صاحبي ـ وهو فلسطيني ـ جاء في اليوم التالي ليبلغني على الغداء بأن قريباً له درس طب الأسنان في جامعة القاهرة، وتقدم لفرصة عمل في الإمارات، فإذا بهم يحددون له موعداً لامتحانه في مواد البكالوريوس، بدعوى أنهم لم يعودوا يثقون في الشهادات التي تصدر عن الجامعات المصرية!. وما أن روى هذه حتى اصبحت سمعة الجامعات المصرية موضوع مناقشة المتحلقين حول الطاولة. بعض كبار السن ما برحوا يتحدثون عن العصر الذهبي لجامعة القاهرة، التي تخرجت منها اجيال الرواد في العالم العربي، والبعض الآخر ظل يستعيد ما سمع به أو وقع عليه من فضائح في الجامعات المصرية تزكم الأنوف. وإذا بواحد يتنهد ويقول: من كان يتصور أننا سنعيش يوماً تتدهور فيه احوال جامعات مصر حتى تحتل المرتبة السادسة بعد العشرين بين مائة جامعة افريقية، وان تسبقها في الترتيب جامعات أخرى في ناميبيا وكينيا وزيمبابوي؟ ـ انبرى آخر متسائلاً: وهل كان يتصور أحد أن تصبح قناة «الجزيرة» هي الأعلى في نسبة المشاهدين العرب، وأن يصبح التليفزيون المصري في ذيل فضائيات المنطقة؟

مثل هذه الحوارات ليست جديدة، حيث لاشك في أن الذين يطوفون بالعالم العربي من الباحثين المصريين أو غيرهم، يصادفون ما صادفت من تساؤلات وانطباعات تتساءل عما جرى لمصر.
هذا الشعور عبرت عنه كتابات مصرية صدرت في الآونة الأخيرة، فالدكتور جلال امين تحدث في احد كتبه عن الدولة الرخوة في مصر، والمستشار طارق البشري حذر من تفكك الدولة وانفراط عقدها في كتاب آخر. والسفير أمين يسري نشر مقالة في جريدة العربي كان عنوانها «عن انهيار مكانة مصر». والدكتور عمرو الشوبكي نشر مقالة أخرى انتقد فيها الدولة الغائبة في مصر. والدكتورة منى مكرم عبيد نشرت في مجلة «المجلة» مقالة ذكرت فيها أن الدور المصري يعاني من حالة ضمور واحتضار في كثير من الازمات. وقرأت لأحد كتاب الإمارات مقالة قال فيها إن التردي الذي يعيش في ظله العالم العربي لا سبيل للخروج منه إلا إذا استعادت مصر دور الدولة القاطرة. (د. على الغفلي ـ جريدة الخليج 16/5/2006).

ـ 2 ـ
لن اتحدث عن سبق مصر إلى دخول عصر الحداثة قبل اليابان في القرن التاسع عشر، ولا عن زمن الإمبراطورية المصرية في عصر محمد علي باشا (1805-1841) التي امتدت بطول خمسة ملايين كيلو متر مربع. بما يوازي عشر مرات مساحة فرنسا ونصف أوروبا، ولاعن الدول التي كانت مجرد قرى قبل نصف قرن ثم سبقتنا باشواط بعيدة (كوريا ـ ماليزيا ـ تايوان)، ولن اقارن بما انجزته إسرائيل في مجالات التصنيع والبحث العلمي، وتفوقت به بمراحل على العالم العربي بأسره. لن آتي على ذكر أي مقارنة من هذا القبيل. لكني سأتوقف عند بعض المقارنات بين مصر واشقائها الذين كنا نعتبرهم «صغاراً» يوماً ما.

لقد أجرى الدكتور رضا عبد السلام استاذ القانون بجامعة المنصورة دراسة حول "مكانة مصر والدول العربية في المؤشرات العالمية"، اصدرها عام 2004 في كتاب بذات العنوان، اعتمد في معلوماته على نتائج جهود بعض المؤسسات العالمية، في مقدمتها المنتدى الاقتصادي العالمي، ومنظمة الشفافية الدولية في دراسة تحدثت عن وضع مصر في 8 مؤشرات عالمية، وقارن في ذلك بين عامي 2002 و 2003، وكانت النتائج كالتالي: فيما يخص مؤشر الفساد والشفافية كان ترتيب مصر في عام 2002 عند رقم 63، وهذا الترتيب تراجع في عام 2003، حتى وصل إلى 70- وفي مؤشر التنافسية العالمية كان الترتيب 51ثم اصبح 58 ـ وفي مؤشر الاستثمار الأجنبي كان الترتيب 91 وتراجع إلى 110 ـ وفي مؤشر الاندماج في العولمة كان الترتيب 45 وأصبح 46 ـ أما في مؤشر الاستعداد التقني والمعرفي فتراجع ترتيب مصر من 65 إلى 70 ـ وفي مؤشر ثروة الأمم الناهضة تراجع الترتيب من 36 إلى 45 ـ في مؤشر الحرية الاقتصادية لم يحدث تراجع، وإنما تقدم وضع مصر في الترتيب، حيث كانت في المرتبة 121 من عام 2002، ثم أصبحت في المرتبة 104في عام 2003 ـ في مؤشر التنمية البشرية عاد التراجع إلى سيرته، من 115 عام 2002 إلى 120 في عام 2003.

هناك خلاصات أخرى بالغة الدلالة في تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. المتوافرة في عام 2004. فهي تشير مثلاً إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر 4.1، وهو يقل عن نظيره في تونس (5.8%) والمغرب (4.2%) ـ ولا مقارنة بالدول النفطية بطبيعة الحال. وبالرغم من أن اجمالي صادرات مصر من السلع وحدها في عام 2003 اكبر قليلاً من نظيرتها في تونس والمغرب (9 مليارات دولار لمصر ـ 8 مليارات لتونس ـ 8.8 مليار للمغرب) ـ إلا أن البلدين تفوقا على مصر من حيث تركيبة الصادرات السلعية ـ فصادرات مصر من المصنوعات لا تمثل أكثر من 31% في حين تصل النسبة المناظرة في تونس إلى 81.5% والمغرب إلى 8.68.

فيما يتعلق بنسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى إجمالي الاستثمار، كانت مصر في وضع مقارب لتونس وافضل كثيراً من المغرب في عام 1983 (مصر 6.06% ـ تونس 6.6% ـ المغرب 1.4%) ـ ولكن بحلول عام 2003 اصبح وضع مصر أسوأ بكثير من هاتين الدولتين (مصر 1.7%- تونس 8.6% ـ المغرب 22%).

ـ 3 ـ
إذا كان وضعك الاقتصادي ضعيفا، فلا تتوقع ان يكون موقفك السياسي قويا. لذلك فلا غرابة أن يتزامن عصر انتهاء الريادة في المجالين الاقتصادي والثقافي مع غياب الدور السياسي، الأمر الذي يخيف المثقفين العرب ويحزنهم. لذلك فإن كلامهم عن فراغ القيادة وافتقاد الجسم العربي إلى رأس، والشعور باليتم ينصب بالدرجة الأولى على ما هو سياسي في المشهد. حتى اصبح السؤال المألوف الذي بات يسمعه أي مثقف مصري في مشرق العالم العربي ومغربه هو أين مصر؟. وهو يلقي بدرجة ملحوظة من الجزع في مناطق الازمات الساخنة، في فلسطين والعراق ولبنان والسودان. بل إن هناك انطباعاً سائداً بين الطبقة المثقفة عن أن غياب مصر عن ساحة الفعل العربي المؤثر، يشكل احد الأسباب الجوهرية لتدهور الأوضاع في تلك البؤر الساخنة، لأن ذلك الغياب فتح الباب لاستباحة العالم العربي، وعربدة كل من هب ودب فيه.

في رأي الدكتور جلال أمين أن انحسار الدور المصري بدأ بعد هزيمة 67، التي نالت من هيبة مصر القائدة، وتعثرت بسببها مسيرة التنمية في البلد. في رأي خبير آخر هو الأستاذ جميل مطر أن الانحسار بدأ مع تطبيق «الانفتاح» في بداية السبعينيات، التي انقلبت في ظله منظومة القيم السائدة، السياسية، والاجتماعية، واعتمدت بمقتضاها سياسة الصلح المنفرد مع إسرائيل والانكفاء على الذات. ولا تعارض بين الرأيين في حقيقة الأمر، لأن بوسعنا أن نقول ان الشرخ الذي حدث بعد الهزيمة تحول إلى انكسار في ظل الانفتاح.

ثمة احاديث تتردد الآن موحية بأن غياب مصر هو بلا رجعة. فقد نشرت صحيفة «واشنطون» بوست تقريراً في منتصف الشهر الماضي اعده الصحفي جين كرين. تحدث فيه عن بشائر صعود العملية الديمقراطية في دولة الإمارات. بما يرشحها لتـولي قيادة المنطقة العربية في الكثير من القضايا التي تراجع دور مصر فيهــا. وقرأت في «المجلة» (عدد 10/12) مقالة للكاتب الإماراتي د. محمد بن هويدن ذكر فيه أن دول الخليج العربية تتوافر لها الآن الظروف والخبرات التي تؤهلها لقيادة العالم العربي في القرن الواحد والعشرين.

اللافت للنظر أن الدكتور جمال حمدان ألمح إلى هذه الفكرة منذ ربع قرن «كتاب شخصية مصر صدر الجزء الأول منه سنة 1980»، إذ ذكر أنه في عصر البترول الخرافي فإننا نخدع انفسنا إذا فشلنا في أن ندرك أن وزن مصر بدأ يهتز باتجاه سلبي. ولا تملك مصر ترف الاستخفاف بما يجري حولها. بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في ذاتها، وإلى مراجعة للنفس أمينة وصريحة. «ج1ص30».

ـ 4 ـ
أغرب ما قرأت في موضوع الدور المصري ادعاء البعض أنه لا يذكر إلا في سياق مساندة العرب، خصوصاً أولئك الذين يكنون العداء لإسرائيل والغرب. وذلك كلام مغلوط وتبسيط مخل، يفهم مراده إذا ادركنا انه صادر عن دعاة الانكفاء، الذين لم يكفوا عن اثارة الضغينة ضد الانتماء العربي، والالحاح على الالتحاق بالمركبة الأمريكية والإسرائيلية.

وجه التغليط والتبسيط في الكلام يتمثل في أن الدور الذي نتحدث عنه ليس منة من مصر على احد، ولا مجرد تبرع لمساندة الاشقاء. وانما هو ينطلق اساساً من متطلبات الدفاع عن الأمن القومي للبلد، ولتأمين محيطها وعمقها الاستراتيجي. كما أنه من قبيل تحمل تبعات مسؤولية الدولة الكبرى في المنطقة. وهو ما تفعله أي دولة محترمة في العالم. وليس صحيحاً أن مصر ضحت من أجل الآخرين في الحروب التي خاضتها ضد إسرائيل، ولكنها في كل مرة كانت تدافع عن أمنها، الذي لا يتحقق إلا إذا زال الخطر من حولها، خصوصاً إذا كان الخطر مدججاً بالأسلحة النووية. ثم إننا ينبغي ألا ننكر أن العرب إذا كانوا بحاجة إلى الشقيقة الكبرى، فإن مصر تظل بحاجة ايضاً إلى اشقائها الذين لم يعودوا صغاراً. وليس في تبادل المصالح من هذه الزاوية ما يعد فضلاً أو منة.

إن أي باحث نزيه يستطيع أن يرى أن مصر على مدار تاريخها ظلت دولة فاعلة في المنطقة، وأن فاعليتها هذه لم تكن سوى امتثال لأمر التاريخ والجغرافيا، مما وفر لها اهمية استراتيجية خاصة، تجلت في كفاءة الاشعاع وعبقرية المكان. وهي الميزات التي ادركها الطامعون والطامحون، حتى قال بعضهم إن من يسيطر على مصر يسيطر على العالم. وهي ذاتها الميزات التي جعلت نابليون يخترق العالم العربي باحتلال مصر في القرن الثامن عشر، ودفعت إسرائيل إلى اختراق العالم العربي بعقد الصلح مع مصر في الربع الأخير من القرن العشرين.

إن قدر مصر أن تبقى دولة كبيرة، شاء غيرها أم أبى. وعلى أهمية هذه الميزة فإنها لا تخلو من خطورة. إذ من الملاحظات النافذة التي سجلها نابليون في مذكراته التي دونها في منفاه، وأوردها الشيخ رفاعة الطهطاوي في «مناهج الالباب» أن السلطة في مصر لها نفوذها العجيب على المجتمع منذ عصور الفراعنة، التي كان الفرعون خلالها يتحكم في مياه الري، ومن ثم في الخصب والجدب، حتى عد واهب الحياة والموت. لذلك فإن السلطة إذا ضعفت اصيب المجتمع بالوهن. ووقع ذلك الوهن يصبح اشد واقسى في البلاد الكبيرة، التي ما أن يحل بها، حتى يتكالب عليها الطامعون لتركيعها واستنزاف طاقتها.

البعد الآخر المترتب على تراجع الدور المصري أنه لا يصيب المجتمع بالوهن فحسب، ولكن ذلك الوهن يصيب الأمة العربية بأسرها، باعتبار أن العامود الأساسي للخيمة إذا انكسر، فإن الخيمة كلها تسقط على الأرض. والاستباحة الراهنة لمختلف الاقطار العربية، منذ خروج مصر من الصف العربي بتوقيع معاهدة كامب ديفيد في سنة 1978، شاهد ملك على صحة ما اقول.

أن مقعد القيادة في العالم العربي لا يزال شاغراً، رغم جهود بذلت هنا وهناك لملئه. لكن هذه الجهود أوصلتنا إلى ما نحن بصدده الآن من تشرذم وهوان، الأمر الذي يجدد الالحاح على أهمية استعادة دور مصر، الذي لا سبيل إلى تحقيقه إلا إذا قدمت نموذجاً جديرا باستحقاقات القيادة. لأجل مصر، ولاجل العرب اجمعين.

دفاتر الأزمة 1

الدفتر الأول
الورقة الأولى
الحرب بإطلاق الأفكار وليست بإطلاق النار

عندما استسلمت جيوش ألمانيا النازية بلا قيد ولا شرط أمام الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بقيادة “دوايت أيزنهاور”، كانت القوى المسيطرة في أميركا تفكر فعلا في الحرب القادمة مع الاتحاد السوفياتي، رغم أنه كان شريكها الشرقي في النصر. وكان محسوسا وملموسا حتى من قبل نشوب الحرب، أن العداء لهتلر هو الذي جمع الأميركيين على الروس مضطرين أكثر من مختارين، فالرأي الأصلي عندهم قبل هتلر وبعده أن المستقبل صراع إلى النهاية بين الرأسمالية والشيوعية، أي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.

وفي اللحظة التي انتهت فيها الحرب العالمية الثانية فإن القوى المتنفذة في أميركا وقع اختيارها على قائد النصر ضد “هتلر” ليكون بنفسه قائد النصر ضد “ستالين”!

وكان ظاهرا بدون إعادة السؤال مرتين أن الحرب الجديدة ليست تكرارا للحرب السابقة، لأن السلاح الذي فصل في الحرب السابقة، وهو القنبلة الذرية، لم يعد قابلا للاستعمال في الحرب اللاحقة، لأن الولايات المتحدة خسرت احتكارها للأسلحة الذرية عندما لحقها الاتحاد السوفياتي إلى سرها بفاصل سنتين اثنتين.

وكان تأهيل “أيزنهاور” لقيادة الحرب الجديدة إعدادا يستحق النظر:

ومثلا فإنه عندما نشر “أيزنهاور” مذكراته عن سنوات الحرب كان العنوان الذي “اختاروه” لها هو: “حملة صليبية في أوروبا” <> (النازية في تلك الحالة)، لكن الإشارة إلى الحروب الصليبية الدينية الإيمانية كانت لها مقاصد ومعبأة بحمولات.

وفي مثال آخر فإنه عندما بدأ إعداد “أيزنهاور” للحياة المدنية، كان المنصب الذي “اختير” له هو منصب رئيس جامعة “كولومبيا”، وهكذا فإن الرجل الذي خلع سترته العسكرية بنهاية خدمته قائدا عاما لقوات الحلفاء، اكتسى بالرداء الجامعي يبدل هندامه ويرتبه للخدمة في البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأميركية (وزعيما للعالم الحر كما كان يقال تلك الأيام).

وحدث في ما بعد عندما أراد “أيزنهاور” أن يكتب مذكراته عن سنوات رئاسته للولايات المتحدة، أن العنوان الذي “اختاروه” لها كان “شن السلام” <>، لكن السلام لا “يُشن” وإنما يصنع بأسلوب آخر غير شن الحملات (صليبية أو غير صليبية).

لكن تلك كلها كانت إشارات محسوبة ومتعمدة، تومئ إلى تغيير رئيسي في الأسلحة تنتقل به الحرب من “إطلاق النار” إلى “إطلاق الأفكار”.

كان التقدير أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية حتمي، وأن هذا الصراع لا يمكن أن يدور بين الاثنين مباشرة في ميادين قتال، لأنه في تلك الميادين معرض في أي لحظة للتصاعد إلى المستوى النووي، وذلك فوق احتمال أي طرف حتى إذا سبق عدوه في حجم ما تكدس داخل ترساناته من رؤوس نووية، ذلك أن إمكانية الردع المتبادل بحاملات الرؤوس النووية من الصواريخ المتحركة (في أعماق البحر أو أعالي الفضاء) تلغي الفاصل بين النصر والهزيمة بدمار مروّع للطرفين، المهزوم فيه قتيل بالكامل والمنتصر ثلاثة أرباع قتيل، وكلا الاحتمالين مستحيل!

وإذن فهو صراع إلى النهاية بغير سلاح وبغير نار!

ثم إنه صراع مزدوج:

طرفان لكل منهما نظرية في ترتيب وإدارة شؤون المجتمعات: مواقعها، مواردها، ومستقبلها. ومكمن الخطر أن كل نظرية تطلب التفوق تجسد نفسها ذات الوقت في قوة عظمى، ومؤدى ذلك أن النظريتين في النهاية قوتان نوويتان على طريق صدام. وفي غيبة القدرة على فرض التفوق بالنار، فإن كل نظرية ليست لديها وسيلة غير أن تعرض ما لديها على الدنيا وعلى الناس باعتباره طريق الخلاص.

ومعنى ذلك أنها صور في الأحلام لها القدرة على صنع مثال في الواقع يجذب قلوب وعقول آخرين بعضهم ينتمي إلى العالم المتقدم (وهم يريدون إعادة ترميم حياتهم بعد إعصار الحرب)، وبعضهم الآخر ينتمي إلى العالم المتخلف الذي أيقظه إعصار الحرب، (وقد هرولوا إلى الساحة باحثين عن حلم وعن مثال).

ومعنى ذلك أيضا أن الصراع في شكله الجديد صراع نظريات (أفكار) لها القدرة على التحقيق (تجربة حية).

يصاحب ذلك إدراك عملي بأن احتكاك النظرية الرأسمالية والشيوعية و”المثال” المجتمعي المتجسد للاثنتين في دولة، لن يكون بينهما مباشرة وإنما “يجوز” أن يكون عند غيرهما وعلى أرضه.

يلي ذلك أنه إذا وصل الاحتكاك إلى الدرجة التي يتطاير فيها شرر وينشب حريق، فإن النار يجب أن تظل بعيدة عن الترسانات النووية أي هناك على أرض الآخرين!

وهكذا فهي بالدرجة الأولى حرب في قلوب وعقول هؤلاء الآخرين ثم إنها في الدرجة الثانية وإذا حكمت الظروف حريق على أرض هؤلاء الآخرين.

وكذلك انطلقت النظريتان القوتان إلى سباق يقطع الأنفاس وكانت تلك هي الحرب الباردة!، وقد توافقت بدايتها مع رئاسة “أيزنهاور” للولايات المتحدة الأميركية، وكانت إدارته هي التي وضعت استراتيجياتها وخططها وسياساتها.


لماذا

الجورنال .....الجريدة.....الصحيفة
هى من أوائا الأدوات الى تشكلت بها ثقافة هذا الوطن ورأيه العام (عندما كان يملك رأيا عاما)غ
وشهدت الصحافة المصرية أسماء عظاما مصطفى كامل ...التابعى....مصطفى أمين......ومحسن محمد....أحمد بهجت
بالأضافة للجورنالجى المصرى الأول فى القرن العشرين .....محمد حسنين هيكل
وبعيد عن الذبد القمىء للصحافة الحكومية التى تنحدر إلى غياهب النسيان
أحببت أن أضع تلك المدونة لتتضمن مقالات لكل من أحببت من الجونالجية العظام الذين عرفوا للمهنه حقها وحملوا القلم للدفاع عن هذا الوطن
وأيضا لجيل الوسط المشاغب الذى يحاول رفع الصحافة المصرية المستقلة بحيث يراها الجميع
وبعض الأقلام الشابة فى الصحافة المستقلة وفى الفضاء الألكترونى الفسيح
هذه المدونة لا فضل لى فيها...ولا قلم...ولا كلمة
هذه المدونة هى بطاقة تحية للجورنالجى الحر